أخبار وطنية بشيرة بن مراد، راضية الحداد، قلاديس عدة: تونسيات رائدات في تحرير المرأة... هم يُحيون ذكرى البانديّة و نحن نحيي ذكرى رجال تونس و نسائها
بقلم المؤرخ عميرة علية الصغير
- الجمعيات النسائية : برهان نضج ووعي بضرورة التحرّر الذاتي :
إن بعث الجمعيات النسائية للأخذ بقضية تحرير المرأة كانت رائجة في الصحف التونسية الصادرة آنذاك إذ كانت تتناقل أخبار الحركة النسائية في الشرق والغرب مثلما أشرنا لذلك في المحور الأول. وكان في تونس الصحفي الوطني الهادي العبيدي (1911 – 1985) وهو من المتحمّسين لأفكار المصلح المصري قاسم أمين أول من نادى على أعمدة جريدة "الصواب" التي كان يرأس تحريرها، بضرورة تأسيس جمعيات نسائية ونواد للنهوض بالمرأة. وقد كتب في "الصواب" بتاريخ 30 مارس 1928 يقول: "أن نصرف النظر وتوجيه الجهود نحو تعليم الفتاة فقط لا يأتي بالثمرة التي نرجوها من ذلك إذا لم يكن هناك جمعيات نسائية تؤمها الفتاة فتباحث صاحباتها في دروسها اليومية ويتبادلن الآراء في المواضيع الأدبية والاجتماعية التي تصقل الذهن وتربي الملكة في الرؤوس".
وكانت أوّل جمعية نسائية تونسية تكوّنت في فيفري 1932 "جمعية النساء المسلمات" ( ) وهي جمعية خيرية أسستها مجموعة من النسوة من أوساط أرستقراطية وبرجوازية لنجدة ضحايا فيضانات شتاء 1932.
وكان أول اجتماع عقدته التأم بدار الخلصي في 20 فيفري حضرته زوجة المقيم العام منصرون وعديد النسوة مسلمات ويهوديات وأوربيات. وقد أعطيت رئاسة هذه الجمعية الخيرية الاحسانية لعقيلة حسن القلاتي زعيم حزب الإصلاح في العشرينات السيدة فاطمة القلاتي. وخطبت في هذا الاجتماع كل من وسيلة بن عمار والآنسة نجيبة بن مراد (بنت محمد الصالح بن مراد عدوّ الحداد) ودعتا الحاضرات إلى ضرورة الخروج من الإنزواء ودخول ميدان العمل الصّالح لخدمة المجتمع والوطن. وقد قامت الجمعيّة بجمع بعض التبرّعات لنجدة المحتاجين. وقد عارض الشاذلي خير الله في جريدته « La Voix du Tunisien » - "صوت التونسي"- تدخّل السيدة إيفا فيشت (Eva Fichet) الاشتراكية وكاتبة فرع "المنظمة العالميّة للنّساء من أجل السّلم" في شؤون المرأة التّونسية مؤكّدا على ضرورة استقلاليّة العمل النّسائي التّونسي عن كلّ تأثير أجنبي من الإقامة العامّة أو من الأحزاب الفرنسيّة. وقد حيّت الصّحف التونسية هذا المشروع ورأت فيه برهانا على يقظة المرأة التونسية.
وفي خضم أزمة الثلاثينات وفي إطار الجبهة الشعبية واستفاقة العمل الاجتماعي والنقابي التونسي تأسس في سنة 1936 "الاتحاد النسائي الإسلامي التونسي". وقد تأسّست هذه الجمعيّة انطلاقا من دار شّيخ الإسلام محمد الصالح بن مراد ذاته وأسوة بالإتحاد النسائي المصري الذي كانت تتزعّمه هدى شعراوي حسب شهادة رئيسة هذه الجمعيّة التونسية بشيرة بن مراد ( ) وتكوّن هذا الإتّحاد على المبادئ التالية :
- تكوين رابطة المودّة والتعارف بين أفراده
- تربية البنت في دائرة الأخلاق الإسلامية وتوجيهها نحو التّعليم العالي
- بعث الثقافة الإسلامية العربية في الوسط النسائي
وقد ترأست "الإتحاد النسائي الإسلامي" بشيرة بن مراد حتى حلّه سنة 1956 وهي من وسط زيتوني ابنة شيخ الإسلام، وبعثت هذه الجمعيّة بمباركة ومساندة الدّستوريين حتى أنّ أوّل قانون أساسي لها كتبه رشيد إدريس. ولقيت دعم الإتّحاد العام التونسي للشّغل في شخص فرحات حشاد وكانت منشورات الجمعيّة النّسائية تطبع في دار الإتحاد ذاته. وقد كوّنت هذه الجمعية فرع بنات المدارس وفرع "حبيبات الكشافة". وعملت على جمع التبرّعات وتنظيم الحفلات وعرض المسرحيّات يحضرنها النّساء لذلك الغرض لنجدة المحتاجين وإعانة الطّلبة التونسيين بفرنسا ونظّمت اجتماعات توعوية دينيّة وكذلك وطنية. ويبدو أنّ الإتحاد النسائي الإسلامي كان يدعم الحزب الحر الدّستوري (الجديد) بالمال حسب شهادة رئيسته بشيرة بن مراد وفي علاقة مع الكشافة التّونسية حتى أن نشاط الاتحاد كان يتم في جناح من مقر الكشافة بسوق البلاط وضعه على ذمته المنجي بالي. وكانت نساء الاتحاد يزرن المساجين السياسيين ويزوّدوهنّ باحتياجاتهم وساهم الاتحاد سنتي 1947 – 1948 في جمع التبرعات لإغاثة فلسطين ( ). وتمكّن هذا الاتحاد النسائي من بعث فروع له بالمرسى ورادس وحمام الأنف والكاف وسوسة والقيروان وتطاوين ونابل تعمل حسب فلسفة الجمعية في التوجيه الديني والحث على التعلم وخدمة الوطن.
وفي سنة 1938 تكوّن "الاتحاد النسائي" دون أن يعترف به رسميّا تحت إشراف السيّدات بن ميلاد والزهار والقروي وتحت تأثير "جمعية الشبان المسلمين" (تأسست سنة 1928) وقيادة الحزب الدستوري القديم. وكان قانونه الأساسي حدد أهدافا مشابهة لأهداف سالفته :
- توثيق عرى الصداقة والتعارف بين أعضاء الاتحاد.
- تعليم الفتاة في إطار التقاليد الإسلامية وحثها على التعلم
- نشر الثقافة الإسلامية والعربية في أوساط النساء.
وقد تخوّفت السلط الاستعمارية من التوجه الأصولي لهذه الجمعية وأوجست انتماءها للتّيار الوهّابي لذا رفضت منحها تأشيرة النشاط ولقي ذلك الموقف مساندة من الباي الذي رأى هو أيضا انه من السابق لأوانه السماح بتكوين جمعيات نسائية مماثلة ومن الأفضل الاقتناع بتعليم الذكور فحسب ( ).
وقد عاودت هذه الحساسية السّياسية نشاطها إثر الحرب فتمّ سنة 1945 بعث "الفرع النسائي لجمعية الشبان المسلمين" بمبادرة من جمعية الشبان المسلمين وبالتحديد من رئيسها الشيخ محمد الصالح النيفر المدرس بجامع الزيتونة وعضو اللجنة التنفيذية للحزب الدستوري (القديم). والتأم الاجتماع التأسيسي سنة 1945 ( ) بدار السيد محمد بن عبد القادر بأريانة اختتم بتركيز فرع نسائي للجمعية. وتشكلت هيأته الأولى من السيدة سعاد الختاش (حرم الشيخ محمد الصالح النيفر) كرئيسة والحاجة درّة حرم السيد محمد بن عبد القادر في أمانة المال والكتابة للآنسة شريفة فقوسة وأعضاء عدة منهن حرم الشيخ محمد الهادي بالقاضي وأرملة الهادي الجبالي وحرم محمد بن عثمان. وكان بعث هذه الجمعية يستجيب لأحد أهداف "الشبان المسلمين" ألا وهو مقاومة "الأخلاق الفاسدة" عن طريق إلقاء دروس في التشريع الإسلامي والأخلاق الفاضلة بالمساجد خاصة وأن مظاهر الفجور كثرت على ما يبدو في تلك الفترة حسب شهادة السيدة الختاش ( ). وكان مقر الفرع في ركن من مقر "جمعية الشبان المسلمين" بنهج الباشا.
ومن أهم نشاطات هذه الجمعية النسائية تعليم الفتيات وتربيتهن تربية إسلامية خاصة بعدما تمكنت الجمعية من إنشاء مدرسة لتعليم البنت المسلمة في أكتوبر 1947 بنهج السّراجين بتونس. وكانت الدروس تركز على التوجيه الأخلاقي وتربية الأطفال وترتيب المنزل والتدريب على بعض الصناعات. وقد بعثت فروع لتلك المدرسة وروضات في كل من المرسى وحمام الأنف وفرع للمحافظة على القرآن. ونظمت دروسا ليلية ولقي نشاط الفرع نجاحا وإقبالا لأن الحركة النسائية قامت حسب محيي الدين القليبي ( ) "وفق النظم الإسلامية والتونسيون يساندون الحركات التي تعمل لنشر تعاليم الإسلام". وكان هذا الفرع في منافسة مع حركة أخرى نسائية قامت في نفس الفترة حول الحزب الشيوعي التونسي.
بمبادرة من الحزب الشيوعي تم في مارس 1944 بعث "الاتحاد النسائي التونسي" (L’Union des Femmes de Tunisie) ( ) تحت رئاسة السيدة شارلوت جولان (تاجرة صغيرة) وهي أم مناضل شيوعي قتل في معركة تحرير باريس. وكانت الهيئة المديرة في الأول كلها من الفرنسيات ما عدى فاطمة مازيغ كمسلمة لكن سرعان ما انفتحت قيادته على نساء مسلمات ويهوديات تونسيات. وكان مقر الاتحاد في 8 نهج أثينا بالعاصمة. وكان هذا الاتحاد النسائي يضمّ خاصة النساء اللواتي أزواجهن من المناضلين في الحزب الشيوعي أو في الاتحاد النقابي للقطر التونسي وبعض المثقفات. وبعث الحزب الشيوعي سنة 1945 تنظيما نسائيا مكملا يهتم بالأصغر سنّا وهو "اتحاد فتيات القطر التونسي" فيه مناضلات من نفس الحزب وتحولت رئاسة اتحاد الفتيات سنة 1947 إلى السيدة جراد لأن الاتحاد النسائي الإسلامي التونسي شنّ حملات ضدّ الجمعية متهما إياها بالأجنبية وبإبعاد التونسيات على دينهن. ( ). وقد تمكن الاتحاد النسائي التونسي من تكوين فروع له بتونس العاصمة وفي عدة أحياء حولها : تونس المدينة, البلفدير, العمران, أريانة, حمام الأنف, حلق الوادي, الكرم... وكذلك في داخل البلاد (سوسة, صفاقس, نفيضة-فيل, القيروان, سليمان, باجة, بنزرت, تينجة, ماطر, قابس, جربة, سوق الأربعاء).
تنوعت أنشطة الاتحاد النسائي التونسي وخضعت لتوجهات الحزب الشيوعي ولشعاراته المرحلية كمقاومة النازية والوحدة لربح الحرب ودعم فرنسا لاستكمال تحررها ومساعدة ضحايا الحرب والدّعم المالي والمعنوي للجنود في الجبهة ومساعدة عائلات ضحايا الحرب وزوجات وأبناء القتلى ثم رفع شعارات من أجل السلم وضد الحرب والامبريالية. كما ناضلت النساء الشيوعيات من أجل نجدة ضحايا الجوع والعاطلين وحثت السلط على إعانة المعوزين والمساواة في توزيع المواد المحصّصة بين الأثرياء والفئات الشعبية وبين الجهات. كما تبنّت مناضلات الجمعيتين مطالب حزبهن الدائمة من : الدفاع عن حق العمال في الشغل وفي تحسين ظروف العمل ومن أجل أجور معقولة والمطالبة بالمساواة بين الفرنسيين والتونسيين والمطالبة بالاعتراف بالحقوق والحريات السياسية التي تعود للمرأة والاهتمام بأوضاع شغل النساء الحرفيات أو الفلاّحات وإدراجها ضمن اهتمام ودعم الحزب الشيوعي والمنظمات النقابية كذلك العناية بوضع تعليم الأطفال ووضعهم الصحي والمطالبة بتوفير المدارس والمستوصفات والمحاضن ( ). ومن الأعمال الخيرية التي قامت بها وأنجزتها المناضلات النسائية في هاتين الجمعيتين جمع الأغذية والملابس وتوزيعها على المحتاجين وخاصة مشاركتهن في نشاط "لجنة العمل والتضامن ضد المجاعة" التي تكوّنت لنجدة ضحايا المجاعة سنتي 1946 – 1947 وفتح مطعم بنهج المرّ بالحاضرة لإطعام الجياع, ( ) والقيام بحفلات لتجميع إعانات وبيع قصاصات وجمع تبرعات وحياكة بعض الملابس خدمة لنشاطها الخيري. وعمل "اتحاد الفتيات التونسيات" على الأخذ بيد الفقيرات من الفتيات وتعليمهن وإعانتهن على إعداد متاع زفافهن وتوعيتهن بدورهن كزوجات المستقبل وبواجبهن الوطني. وكان أهم عمل اجتماعي قام به الاتحاد النسائي التونسي هو تأسيس مستوصف سنة 1950 بالعاصمة للمعالجة المجانية.
هكذا دخلت النساء في تونس مجال العمل الاجتماعي والخيري وحتى السياسي وبنسق مطرد كتعبير على إثبات دورهن في المجتمع ووعيهن بوظيفتهن وتكريسا لتحرّرهن بما أنهن غزون المجال العمومي الخارجي الذي كان حكرا على الرجال وساهمن إلى جانبهم في دفع حركة التاريخ غير أن هذه الأنشطة وتلك الجمعيات والفكر الذي قادها كان يحمل كثيرا من الحدود والقصور.
الأستاذ عميره عليّه الصغيّر من كتابنا " في التحرّر الإجتماعي و الوطني"
في الصورة: راضية الحداد، قلاديس عدّة، بشيرة بن مراد